في آخر حوار: أحمد مهساس أحد مهندسي ثورة التحرير لـ ”الخبر” ”لو لم أكن أنا وبن بلة لما كانت هناك ثورة”


في آخر حوار: أحمد مهساس أحد مهندسي ثورة التحرير لـ ”الخبر”

”لو لم أكن أنا وبن بلة لما كانت هناك ثورة”

السبت 02 مارس 2013 الجزائر: حاوره مصطفى دالع
– See more at: http://www.elkhabar.com/ar/autres/hiwarat/325164.html#sthash.CDvgn6hX.dpuf

Ph_25_Ahmed_Mahsas_716730051

filesلجنة شباب بلكور هي النواة الحقيقية للثورة / بلوزداد أول من وضع استراتيجية عسكرية لتفجير الثورة

المخابرات الفرنسية راقبت قيادة الحزب لكنها لم تنتبه إلى شبابه

يكشف المجاهد أحمد مهساس أحد مهندسي الثورة التحريرية، في حوار مع ”الخبر”،. أن محمد بلوزداد هو أول من وضع استراتيجية عسكرية عملية لتفجير الثورة. مشيرا إلى أنه شكّل مع بلوزداد لجنة شباب بلكور، كنواة للقيام بعمل مسلح بعد أن توصلوا مع نهاية الحرب العالمية الثانية 1945، إلى أن حزب الشعب لا يمكنه تفجير ثورة بالنظام الذي كان عليه. مشددا على أنه لولا وجوده وكذا وجود الرئيس الراحل أحمد بن بلة، لما كانت هناك ”ثورة جزائرية”.

صرحت سابقا بأنك أحد المهندسين الرئيسيين للثورة، إلى جانب بوضياف وبن بلة، وأن مجموعة الـ22 ليسوا سوى إطارات التنفيذ، ما دليلك على ذلك؟
لو لم أكن أنا وبن بلة لما كانت هناك ثورة، لأني فكرت في استعمال السلاح في الأربعينيات، فقد كنت أناضل في حزب الشعب الجزائري، مؤمن باستعمال القوة من أجل التحرر، لأننا كنا نتصور أن فرنسا لا يمكنها أن تتنازل عن الجزائر بالمفاوضات، وبعد حل حزب الشعب، (بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية في 1939)، أصبح كبار مناضليه إما في السجون أو هاربين من جيش الاحتلال وكنا ننشط في سرية، إلا أننا اعتبرنا أن الحزب لم يصل إلى مستوى التفكير في القيام بعمل مسلح، وبدأت فكرة التحضير لهذا الأخير في بومرداس، وبالضبط في بلدة قورصو أين كنا نعمل.
لكن مصالي الحاج كان أول من نادى باستقلال الجزائر في تلك الفترة؟
كان مصالي الحاج وحزب الشعب يفكرون في استعمال القوة، بعد الخروج من الأممية الشيوعية، ولكننا كنا نفكر بجدية أكثر، شددنا على ضرورة تكوين النظام المسلح الذي كنا نحلم به، لكن الانتخابات عطلتنا في عملية التحضير للعمل المسلح، وتم الاتفاق على التحضير له في نفس الوقت مع العمل السياسي. وفي 1940 قمنا بإضراب في مصنع التبغ في بودواو، واشتبكنا مع الأمن الفرنسي، وتعاركت مع الدرك في عهد حكومة فيشي، ثم فررت من بودواو إلى بلكور (بلوزداد حاليا وسط العاصمة)، والتقيت مع فوج من شباب حزب الشعب، وأسّسنا ”لجنة شباب بلكور” (السي جي بي)، التي أصبحت تنشط في سرية داخل الحزب.
لماذا شكّلتم تنظيما شبانيا سريا داخل حزب الشعب دون الرجوع إلى القيادة؟
الشباب كانوا أكثر حماسة للنضال من الكهول، والفرنسيون لم يكونوا على علم أن هناك جيلا جديدا من الشباب يتشكل داخل الحزب، وهذه القاعدة الشبانية كانت تتطور وتؤمن بفكرة الثورة، لكن مصالح الأمن الفرنسية لم تتمكن من رصد هذا التطور، ولم تتوقع أن يقوم شباب الحزب بتفجير ثورة دون الرجوع إلى القيادة.
من هم أبرز أعضاء لجنة شباب بلكور؟
كنا أربعة أو خمسة شبان في لجنة شباب بلكور من بيننا محمد بلوزداد (أول قائد للمنظمة الخاصة)، وكوّنا نظاما شبه عسكري، ولكن، للأسف، المؤرخين يهملون مرحلة النضال السياسي ما بين 1939 و.1945 لجنة شباب بلكور هي النواة الحقيقية للثورة، والظروف النضالية فرضت علينا تكوين هذا الهيكل بعد أن تأكدنا بأن النظام الثوري قبل 1945 غير قادر على تفجير ثورة، فأخذنا المبادرة في ”السي جي بي” دون علم الحزب، وبدأنا في تشكيل خلايا في عدة مناطق مثل بومرداس وقسنطينة والشلف.
ماذا كان موقف الحزب بعد اكتشاف هذه النواة داخل جسمه؟
الحزب اعترض على هذه النواة، وكاد يفصلنا خشية تقسيم الحزب، لكننا تحاورنا مع القيادة التي كان يمثلها عسلة حسين عضو المكتب السياسي، ومحمد طالب وهو مناضل كبير في الحزب ليس هناك من يتحدث عنه، بالإضافة إلى أحمد لغواطي ممثل كهول بلكور، وذلك طيلة ليل كامل، من الخامسة مساء إلى الثالثة فجرا. وقال لنا عسلة حسين ”أخذنا قرارا بعزلكم..”، ولكن بعد مفاوضات عسيرة قال ”في الحقيقة نأمل أن تكون كل الشبيبة الجزائرية متمردة مثلكم”، ففهمنا أننا نجحنا في إقناعهم بإبقائنا ضمن صفوف الحزب، واشترطوا أن يكون هذا النظام في الجزائر الكبرى، وأصبحت ”لجنة شباب بلكور” تسمى شبيبة الحزب، وكان هناك تنسيق مع الكهول، بل كانت شبيبة الحزب تملأ أي فراغ قيادي لدى الكهول.
لماذا لم تقوموا بتفجير الثورة بعدما نكثت فرنسا بعهودها باستقلال الجزائر، خاصة أنها خرجت منهكة القوى من الحرب العالمية الثانية؟
بعد مجازر 8 ماي 1945 استشهد الكثير من مناضلي حزب الشعب، وتحطم الحزب بسبب هذه المجزرة وتغيّر منهجه، حيث مر بفترة تحول كبيرة، حينها قلنا أن نظام حزب الشعب غير مؤهل لتفجير الثورة، ويجب أن يتغيّر سياسيا وعسكريا، فقررنا دخول الانتخابات حتى ولو لم نكن نؤمن بها، وفي 1947 انعقد مؤتمر سري للحزب، وتأسس حينها نظام جديد لتحضير الثورة تحت اسم ”المنظمة الخاصة”، وأعطيت الأسبقية لتوفير كل الوسائل من أجل تفجير الثورة، فقد كان للمنظمة الخاصة الأولوية في الحزب الذي تمكّن من تكوين جيش صغير.
من وضع أول استراتيجية عملية لتفجير الثورة؟
كان محمد بلوزداد، أول المتحمسين لتشكيل تنظيم مسلّح من أجل تفجير الثورة، وكان عضوا في لجنة شباب بلكور وناطقها الرسمي، لطالما تمتع بشخصية ذكية ومثقفة ومتحمسة، كان مثالا للمناضل الثوري، وهو أول من وضع استراتيجية ”المنظمة الخاصة” مع نخبة الحزب، وكانت لديه خلايا تجريبية خاصة في جهة الغرب وبلكور وقسنطينة، قبل أن يقترح تأسيس المنظمة الخاصة.
لماذا لم يتم اختيارك قائدا للمنظمة الخاصة بعد وفاة بلوزداد، رغم أنك كنت ضمن النواة الأولى للتحضير للعمل المسلح؟
كانت المنظمة الخاصة تبحث عن مناضلين أدوا الخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي، مثل محمد بوضياف وأحمد بن بلة، أما أنا فكان لي خمس سنوات في الحزب، وعند تأسيس حزب الشعب أعطى أوامره بعدم الالتحاق بالجيش الفرنسي، أما محمد بوضياف كان يعمل في قباضة ضرائب في برج بوعريريج، ومتعاطف مع حزب الشعب، والتقيت الرجل مرتين، ولاحظت أنه إنسان صارم ودقيق ووطني وعسكري، حيث كان ضابط صف في الجيش الفرنسي، ولكنه لم يكن بشهرة بن بلة الذي كان بطل معركة كاسينو في الحرب العالمية الثانية، وكرّمه ديغول بوسام، وقد اتصلت بلحول حسين الأمين العام للحزب وقلت له أن بوضياف ”مناضل مليح”.
زكيت بوضياف في المنظمة الخاصة، ولكنه أصبح أعلى منك درجة في الثورة؟
أنا من الشباب الجزائري الذي بنى الحركة الثورية الجزائرية وأنجحها، رفقة محمد بلوزداد وأحمد بن بلة، وأنا لا أمدح نفسي ولكني قدمت خدمة لبلادي، وإذا وجدت رجلا بإمكانه تقديم أكثر مما قدمته لهذا البلد قدمته ولو على نفسي.
وماذا عن بن بلة؟
كانت هناك انتخابات المجلس الجزائري في 1948، وترشح بن بلة في مغنية، لكن جرى قمع وتزوير كبيرين، حيث أن 35 مرشحا في حزب الشعب كانوا في السجون.
كانت قصة فرارك مع أحمد بن بلة من سجن البليدة في 1952، من أشهر العمليات التي أحرجت الاستعمار الفرنسي قبل اندلاع الثورة، كيف جاءتكم الفكرة ؟
بعد انكشاف المنظمة الخاصة (الجناح شبه العسكري لحزب الشعب) في 1950، واعتقال الكثير من ضباطها، وكنت من بينهم إلى جانب أحمد بن بلة (آخر قائد للمنظمة الخاصة) تمت محاكمتنا، فحكم على بن بلة بثماني سنوات سجنا، خاصة بسبب مشاركته في عملية ”بريد وهران”، بينما حكم عليّ بخمس سنوات سجنا، بتهمة تهديد أمن الدولة الفرنسية، فطلبنا من الأمين العام للحزب (حركة انتصار الحريات الديمقراطية) حسين لحول، وكذا من أحمد بودة أحد قيادات الحزب، مساعدتنا على الهروب من السجن فرفضا ذلك، وطلبا منا أن ننتظر حتى يقوم الحزب بتهريبنا من السجن، فخشينا أن يكون الحزب قد تراجع عن فكرة الكفاح المسلح ويريد حل المنظمة السرية، خاصة وأننا عارضنا حلها، وبعد ذلك سمعنا أنه تم إلغاء المنظمة الخاصة، وضم جنودها إلى الحزب الأم كمناضلين.
لماذا أصر قادة حركة انتصار الحريات الديمقراطية، على حل المنظمة الخاصة التي كان من المفروض أن تكون نواة الثورة؟
انكشاف المنظمة الخاصة وعلاقتها بالحزب، جعل قيادة الحزب تخشى أن يتم حل الواجهة السياسية لحزب الشعب، والمتمثلة في حركة انتصار الحريات الديمقراطية، والتي كانت تنشط بشكل رسمي وعلني، لذلك فضل الحزب التضحية بالمنظمة الخاصة بدل التضحية بحركة انتصار الحريات الديمقراطية.
كيف شرعتم في التخطيط للهروب من سجن البليدة؟
لم يكن من منفذ داخل ذلك السجن سوى نافذة الزنزانة، المشكّلة من قضبان حديدية صلبة، والزنزانة التي كنا متواجدين بها مع 56 معتقلا، وتسع القاعة لنحو 200 معتقل، وبوابتها عبارة عن قضبان حديدية تسمح للحراس بمراقبة المساجين السياسيين من بعيد حتى وهم نائمون، كما أن هناك دوريات راجلة تجوب محيط السجن خارج الزنزانة، لذلك كنا نراقب مرور الدوريات بدقة، ونقوم بحركات رياضية ونلعب كرة القدم للحفاظ على لياقتنا البدنية حتى تسعفنا أثناء عملية الهروب، وحتى إذا تجاوزنا كل هذه العوائق كان يفصلنا جدارين عن الحرية، الأول علوه لا يتجاوز 2 متر، أما الجدار الخارجي فهو الأصعب لأن طوله كان يبلغ نحو 6 أمتار، لذلك كنا بحاجة إلى شيئين، الأول منشار لقطع الحديد والثاني حبل لتجاوز الجدارين الداخلي والخارجي، أما بالنسبة للحبل فقطعنا الأغطية إلى أشرطة ثم فتلناها مع بعضها بشكل غليظ ومتين، وربطناها مع بعضها البعض حتى يصل طولها ضعف طول السور الخارجي (6 أمتار).

ماذا عن المنشار؟
ادعيت أنّ سني تؤلمني، فأخذوني إلى طبيب الأسنان خارج السجن تحت الحراسة، وكنت قد اتفقت مع مناضل يدعى الصافي بوديسة بأن يحضر لي منشارا صغيرا، في مكان وزمان محددين، وذلك عندما تم اعتقال بوديسة أثناء مظاهرة شارك فيها مع العديد من المناضلين، الذين كانوا يأتون من مختلف أنحاء البلاد أثناء محاكمتنا للمطالبة بإطلاق سراحنا، وفي كل مرّة كان يتم اعتقال البعض منهم لمدة أيام ثم يطلق سراحهم، حيث وضع بوديسة في نفس الزنزانة التي كنت متواجدا فيها مع بن بلة وقيادات أخرى من المنظمة الخاصة، واتفقنا معه أن يحضر لنا المنشار إلى عيادة طبيب الأسنان، وعندما خرجت من هناك توجهت إلى المرحاض حتى لا يرافقني الحراس، ولما خرجت سلّمني بوديسة المنشار الصغير، فوضعته داخل حزام سروالي، وكنت قد فتحت فيه شقا في السجن حتى لا يمكن اكتشافه أثناء عودتي، ولم أكن أفضل إخفاءه داخل الخبز.
متى بدأتم تنفيذ الخطة؟
اخترنا يوم عيد ميلاد مصالي الحاج (زعيم حزب الشعب الجزائري) في 16 مارس، حيث اعتاد المناضلون في كل عام تنظيم احتفالات وأناشيد ورقص في جميع السجون الاستعمارية، ويحدث خلال هذه الاحتفالات ضجيج كبير كنا بحاجة إليه حتى لا يسمع الحراس صوت نشر الحديد، لأنه كان لدينا وقت محدد لقطع القضبان الحديدية لنافذة الزنزانة، بعد مرور الدورية الأولى وقبل قدوم الدورية الثانية، خاصة وأن الحراس كانوا يتفقدون يوميا القضبان الحديدية للنافذة، للتأكد بأنه لا توجد أي محاولة لقطعها، لذلك استعنّا ببعض المناضلين الذين كانوا معنا في السجن في العملية، والذين كتموا السر وشاركوا جميعا في عملية الهروب، كل بطريقته الخاصة، ورغم أن يوسفي امحمد ومحجوب كانا مسؤولين كبيرين في المنظمة، إلا أنهما فضلا عدم الهروب معنا واستكمال سنتين أو ثلاثة داخل السجن، والخروج بشكلطبيعي.
صف لنا لحظات خروجكما من نافذة الزنزانة؟
خرج بن بلة أولا من نافذة السجن، بعد قطع قضبان الحديد في مدة محددة، (ساعتان حسب رواية الرئيس أحمد بن بلة)، ثم خرجت ثانيا، وإحساس بالقوة الكبيرة يخالجه خوف من عدم نجاح العملية، وجرينا بسرعة باتجاه الحائط الأول، لأنه لم يكن لدينا الكثير من الوقت، فموعد الدورية الثانية كان قد اقترب، وكان بن بلة يحمل على كتفه الحبل، فحملته على كتفي حتى يصعد فوق الحائط الأول، ولكنه شك بأن السور فيه خيط مكهرب وخشي أي يصعق إن لمسه، فقال لي: ”هناك كهرباء”، فقلت له: ”امشي جهة اليمين”، فمشى فوق السور إلى أن وصل إلى مكان بدا لنا آمنا، ثم صعدت فوق السور الذي لم يكن مرتفعا كثيرا، حوالي مترين بينما طولي 76 ,1 مترا، خاصة وأننا كنا مدربين مثل الكمندوس، إلا أن وعينا السياسي كان أفضل، بعدها جرينا في الممر بين السورين للوصول إلى مكان محدد، كنا قد اتفقنا على الالتقاء فيه مع أربعة رجال من البليدة أحدهم يسمى مصطفى سيد يخلف (أعدمته فرنسا بالمقصلة في 1957)، كانوا بانتظارنا خلف السور الخارجي، ولم نصل إلى المكان المحدد إلا وقد كنا قد أرهقنا من التعب.
وكيف تجاوزتم السور العالي؟
كان علينا رمي الحبل الثقيل ما وراء السور العالي، ولم يكن هذا بالأمر السهل، ولكن بن بلة نجح من أول رمية، حيث قذفه بقوة فتدلى الحبل من الجهة الأخرى للسور، وبمجرد أن أمسك رجال البليدة بالحبل وهزوه كان ذلك إشارة إلى أنهم في الموعد، وصعد بن بلة أولا، ثم جاء دوري وتسلقت ثلاثة أرباع السور لكن خارت قواي ونزلت، ثم حاولت مرة ثانية لكني أخفقت، وفي المحاولة الثالثة استجمعت كل ما تبقى لي من جهد، وكنت مصمما على الوصول إلى أعلى السور وصعدت بسرعة ونجحت هذه المرة، ثم قفزنا إلى أسفل السور، وأول ما خطر على بالي بعد أن أصبحنا خارج السجن مطاردة الشرطة الفرنسية لنا بالكلاب البوليسية بعد اكتشافها عملية فرارنا من السجن، وفرحة مناضلينا بنجاح هذه العملية، وكذلك كنا نخشى معارضة قيادة الحزب لهذا الفرار وردة فعلهم حياله.
أين اختبأتما بعد فراركما من السجن؟
ركبنا سيارة كانت مركونة في مكان غير بعيد عن السجن، ولم نشاهد أي أشخاص في المكان خاصة أن الوقت كان ليلا، وتوجهنا إلى منطقة معزولة في جبال الشريعة لدى أحد المناضلين الأربعة الذين هرّبونا من السجن، واختبأنا في كوخ بالقرب من بيت هذا المناضل الذي كانت له عائلة كبيرة العدد، فطلب منهم، خاصة الأطفال، عدم الاقتراب من الكوخ، في حين كان أكبر همنا حينها كيفية الاتصال بمسؤول دائرة البليدة في الحزب، حتى لا يظنوا أننا وضعناهم أمام الأمر الواقع.
وكيف كانت ردة فعل الشرطة الفرنسية بعد أن اكتشفت فراركما من السجن؟
كانت ضربة قوية للفرنسيين لأنهم كانوا يظنون أن الأوضاع في الجزائر متجهة الى الاستقرار، خاصة بعد اكتشافهم وحل المنظمة الخاصة، ونحن كنا مسؤولين في الحزب وقيادات في المنظمة الخاصة، لذلك كان فرارنا من سجن البليدة لديه وقع شديد على الفرنسيين، لذلك شنوا حملات تفتيش حثيثة للوصول إلينا باستعمال الكلاب المدربة ونشر الحواجز الأمنية في كل مكان، ونشر صورنا في الصفحات الأولى للجرائد وتخصيص مكافأة مالية كبيرة بلغت حينها 12 مليون فرنك لمن يدلي بأي معلومة تساعد على القبض علينا، وبقينا نحن في ذلك الكوخ نحو شهرين دون أن تتمكن السلطات الفرنسية من الوصول إلينا، وبعدها هربنا إلى فرنسا واجتمعت مع بوضياف وبن بلة في باريس في 1953، واتفقنا على تفجير الثورة، بحيث يقوم بن بلة بتحضير الثورة من القاهرة، أما أنا فمن فرنسا وبوضياف منسق الثورة من الداخل.

ما هي المهام التي كنت مكلفا بها عند اندلاع الثورة؟
كنت في فرنسا قبل ذهابي إلى الشرق، عندما أطلق سراح عبان رمضان من السجن في 1955، شهران قبل انتهاء المدة التي حكم عليه بها، ومع ذلك لم يتصل عبان بي هناك، فغادرت فرنسا على عجل بعد أن طلب مني محمد بوضياف وأحمد بن بلة والعربي بن مهيدي، الخروج فورا من فرنسا، وإلّا يلقى عليّ القبض، فخرجت من هناك ودخلت إيطاليا، والتقيت محمد بوضياف بعد موعد اتفقنا عليه ثم افترقنا، ولأنني لم أكن أملك المال لشراء تذكرة سفر إلى القاهرة مددت إقامتي في إيطاليا، فشكت بي السلطات الإيطالية وأرسلوني إلى سويسرا، وكأنهم كانوا يرغبون في إعادتي إلى فرنسا، وشكت السلطات السويسرية في أنني جاسوس، فقاموا بحبسي ومنعوني من الاتصال ببوضياف، ولكنهم اتصلوا به، ولحسن حظي كان بوضياف متواجدا هناك، فأعطاهم المال واقتنوا لي تذكرة سفر إلى القاهرة، فركبت الطائرة وغادرت إلى مصر، وفي هذا الظرف بالذات عندما كنت مستعدا للسفر إلى إيطاليا، أطلقت السلطات الفرنسية سراح عبان رمضان.
لماذا اخترت السفر إلى القاهرة بالذات؟
لأن قوافل من الأسلحة (الموجهة إلى جيش التحرير في الجزائر)، كانت تقع في يد الجيش الفرنسي بتونس، ولم تكن تصل إلى المجاهدين، كما كانت الفوضى، مع تدخل عدة أطراف داخلية وخارجية مثل المصريين، وكان المصاليون أقوياء ولديهم وسائل كبيرة، ويصعبون مهمتنا (جلب السلاح إلى الثورة)، ولم تكن هناك أي دولة تدعمنا بالسلاح وقتها سوى المصريين.
المصريون فقط؟
كان المصريون فقط يؤيدون ثورتنا إلى أقصى حد، أما الآخرين فكانوا في حالة شك، بل يتمنون لو نفشل.
وماذا عن التونسيين والمغربيين والليبيين..؟
كانوا حينها تحت الاحتلال الفرنسي، ولولا الليبيين لما تمكّنا من تمرير ولو قطعة سلاح واحدة إلى الجزائر، ولحسن الحظ كان لديهم رئيس وزراء جيد، يعطينا شاحنات تنقل السلاح من الحدود المصرية إلى غاية طرابلس، ومن ثمة إلى الجزائر عبر تونس.
وهل كنت تنسّق عملية نقل السلاح المصري مع ضابط المخابرات المصري فتحي الذيب؟
نعم أعرفه جيدا، إنه رجل مخلص، لكني اصطدمت معه، ولم نتفق لأنه كان رجلا يتعامل معنا مثلما يتعامل مع المعارضة، وكدت أتعارك معه في إحدى المرات، ولا أريد التكلم عن هذه المشاكل التي وقعت بيننا، لأنه توفي رحمه الله، لقد كان رجلا مخلصا، وقبل وفاته نشر كتابا ”عبد الناصر وثورة الجزائر”، وحاول التقليل من شأني، لأنني لم أكن على وفاق معه، كما أن المسؤول العسكري المصري في ليبيا كان فوضويا نوعا ما، فوضعته في مكانه أكثر من مرة.
كيف عملت على تزويد الثورة بالسلاح عندما غادرت فرنسا؟
تنقلت إلى الخارج خصيصا من أجل قضية الأسلحة التي لم تكن تصل، والثورة التحريرية كانت في مأزق لأنه لم يكن بالإمكان القيام بثورة دون أسلحة، لذلك عقدنا اجتماعا في 1955 بالقاهرة لتسليح الجهة التي كنت أمثلها (الجهة الشرقية والولايات 4 .3 .2 .1وكذا تسليح الولاية الخامسة (وهران)، التي تفككت بعد اندلاع الثورة، وبعض البواخر التي حجزت، وبوصول الأسلحة إلى الولاية الخامسة ولدت من جديد، وأعطى ذلك نفسا جديدا للثورة في الجهة الغربية، كما وصل السلاح إلى الجهة الوسطى ”الولاية الرابعة”. حيث أشرفت شخصيا على تجريب فرقتي كموندوس لنقل الأسلحة، إلى غاية الولاية الرابعة التي ربطتها بالجهة الشرقية عبر الحدود التونسية، فتمت العملية دون خطر كبير، ثم أرسلت نفس الكموندوس للمرة الثانية وفي نفس المهمة فاستشهد قائده.
ما اسم هذا القائد؟
اسمه عبد القادر بودة رحمه الله، وهو ابن أخ أحمد بودة رحمه الله وهو مناضل كبير، وأنا الذي جربته حتى أعرف إن كان بإمكانهم نقل السلاح والعودة أولا، أما الولاية الخامسة (وهران) فلم يكن إيصال السلاح إليها من ضمن مسؤوليتي، بل كانت لديها هيئة خاصة مشرفة على توزيع السلاح بقيادة محمد بوضياف ثم عبد الحفيظ بوصوف رحمهما الله، فالضابط عبد القادر بودة استشهد في الولاية الثانية، والخطة المعمول بها في نقل السلاح أن تكلف فرقة بنقل الأسلحة، أما الثانية فتنقل الذخيرة حتى لا يتم استعمالها في أي مواجهة مع العدو في الطريق إلى مكان التسليم، فأحيانا يتم الالتقاء في نقطة معينة، وننجح في وصول فرقتي السلاح والذخيرة معا، وأحيانا أخرى تصل إحداها.
ما هو الدور الذي لعبه الليبيون في دعم الثورة الجزائرية؟
في إحدى المرات مع بداية الثورة، سمعنا هرجا ومرجا في العاصمة الليبية طرابلس، فلما سألنا عما يحدث قيل لنا أن الجيش الفرنسي هجم على ليبيا، إلا أننا تبيّنا أن الأمر لا يعدو سوى كون فرقة من جيش التحرير بكل معداتها عبرت الحدود إلى داخل الأراضي الليبية، وكان يقود هذه الفرقة ضابط جزائري جاء من آسيا (يقصد من الفيتنام التي كانت تحتلها فرنسا)، وفرّ في القاهرة (على الأغلب خلال العدوان الثلاثي على مصر في 1956)، ودخل إلى طرابلس، وهناك استقبلناه ودربناه وأرسلناه مع قافلة إلى الأوراس، وبعد شهور نزل من الأوراس وعاد إلى طرابلس مع جنود في جيش التحرير، فظنهم الليبيون على الحدود فرنسيين، وناداهم فعرفوه وفرحوا به، لأنهم كانوا على سابق معرفة به، وجاؤوا بهم إلينا فاستقبلناهم وزودناهم بالسلاح وقفلوا عائدين إلى الأوراس لإيصال السلاح إلى جيش التحرير.
إذن الليبيون ساعدوا في عملية نقل السلاح إلى الداخل؟
قدموا لنا كل ما يملكون، تركونا نستعمل أرضهم وهم تحت سلطة جيوش الحلفاء (الجيوش الفرنسية والأمريكية والبريطانية)، والشعب الليبي كان يؤيدنا بشكل مطلق، رغم أننا في البداية كنا ننشط في سرية تامة، ولا يمكنك أن تسمع بجزائري في ليبيا نهائيا في تلك الفترة. وعندما كان يصادفني أي مشكل من حين إلى آخر كنت ألجأ إلى رئيس الوزراء الليبي وأجتمع معه في سرية.
كيف جنّدتم توارق ليبيا والجزائر في عملية نقل السلاح إلى المجاهدين في الداخل؟
قمت شخصيا بربط توارف ليبيا والجزائر بالثورة التحريرية، فبعدما أصبحت مهمة إدخال السلاح إلى الجزائر عبر تونس مهمة صعبة، لأن الفرنسيين كانوا يتحركون بحرية في تونس، اتصلنا سياسيا بالحزب الحاكم في تونس (التجمع الدستوري) وجاءنا وفد رسمي منه، وقالوا لنا ”سمعنا بأن لديكم مشكل مع حكومتنا… لا ترجعوا إلى الوراء، اصمدوا وإذا كان من الواجب قطع الجنوب التونسي وربطه مع الثورة الجزائرية كأرض عربية إسلامية ثورية، فإننا سنفعل ذلك، المهم أن تصمدوا ولا تخافوا”، لكننا قلنا إذا كانت الأمور ستصل إلى هذا المستوى (وصل الجنوب التونسي وضمه إلى الثورة الجزائرية)، فعلينا أن نبحث عن حل آخر، ففكرنا في نقل السلاح عبر الجنوب وبالضبط عبر الحدود الليبية الجزائرية، واتفقنا مع أمين عقال طوارف الجزائر على لقاء في بلدة على الحدود الجزائرية الليبية، وانتظرناهم يومان إلى أن وصلوا، وقلنا لهم ”نحن نعرفكم مجاهدين من قديم الزمان، وهذه قضيتنا”.
ووقتها كان الفرنسيون يشنون حملة كبيرة من أجل فصل الصحراء عن الجزائر، ووعينا شيوخ الطوارف من خطورة هذا الأمر، ثم قلنا لهم لدينا مشكلة أخرى تتمثل في السلاح، فإذا لم ندخل السلاح إلى جيش التحرير فالثورة التحريرية ستفشل، ونريد منكم أن تتعهدوا لنا في حالة حدوث مشكل من هذا النوع أن توصلوا لنا السلاح من جنوب الصحراء إلى الجزائريين في الشمال، ولكن بعد الاستقلال التقيت بهم وتأكدت بأنهم قاموا فعلا بإيصال السلاح إلى الثورة التحريرية.

تحدّثتم عن تجنيد توارف ليبيا والجزائر في نقل السلاح للمجاهدين، لماذا اكتفى التوارف بذلك دون القيام بعمليات عسكرية ضد العدو الفرنسي؟
نحن لم نكن نريد أن يستعمل السلاح في مناطق التوارف، بل كنا نريد أن يذهب السلاح بعيدا (إلى شمال الجزائر)، مشكلتنا لم تكن في كيفية تحرر توارف تلك الجهة، بقدر ما كانت الأولوية في توفير السلاح بشكل كاف حتى يتمكن الشعب الجزائري من الدفاع عن نفسه، أرأيت كيف كنت أفكر؟ فمن كان يفكر حينها بأن يتصل بملك الطوارف (أمين العقال) لإيصال السلاح من الجنوب؟
لماذا عارضت مع بن بلة بشدة مؤتمر الصومام، رغم أنه أعاد تنظيم الثورة عسكريا واستراتيجيا؟
هم الذين سموه مؤتمر الصومام (يقصد عبان رمضان وجماعته)، فقبل أن يفكر أي أحد في عقد مؤتمر، كنا مقتنعين بضرورة فعل ذلك، لأننا لم نجتمع (كقيادة) منذ عام 1954، كون انطلاقة الثورة كانت فيها صعوبات، وعليه كان من الضروري إعادة التنظيم، ولكن ما حدث تمثل في سرقة الفكرة والوسيلة، وتم توجيه المؤتمر إلى ما هو غير مفيد للثورة، وبذلك تغيير في اتجاه الثورة.
أين كنتم ستعقدون المؤتمر؟
لم نحدد المكان، لكننا كنا نحضر لكيفية توجيه المؤتمر، وتقييم الخسائر وتحديد الأخطاء، وإعادة بناء تنظيم الثورة على مستوى آخر متطور في المرحلة الأولى للانطلاقة.
لماذا لم تعجبكم قرارات مؤتمر الصومام؟
المؤتمر كله لم يعجبنا لأنه مزور، وجاءت جماعة من الذين فاتهم القطار في 1954 من المركزيين والأحزاب التي كانت تقف عكس اتجاه الثورة، لتنحية المفجرين الأوائل لها، الذين كانوا يصفونهم بالمتطرفين، وذلك بعد أن ظنوا بأن الثورة لن تنجح، وعندما ظهر العكس، أرادوا تنحيتنا من الميدان، لأن طموحاتهم كانت، طبعا، بعيدة عن الثورة وربما حتى عن الوطنية، ثم يدّعون بأنهم فجروا الثورة، وهنا وقع المشكل لأنهم أرادوا تحضير مناضلين مثل عبان رمضان لمواجهة المناضلين الحقيقيين الذين فجروا الثورة (يقصد أن المركزيين أمثال بن خدة وسعد دحلب استعملوا عبان رمضان لإضعافه رفقة بن بلة).

هل يعني أن العربي بن مهيدي وكريم بلقاسم وزيغود يوسف لم يتمكنوا من التأثير على عبان رمضان خلال مؤتمر الصومام؟
لم يكن بوسعهم التأثير على عبان رمضان، لأنه دخل متأخرا، بل لم يدخل حتى الحركة الوطنية، وقال لي بن زين رحمه الله، ذات مرة، إنه التقى عبان رمضان وأخبره أنه سيلتحق بفرحات عباس. وأنا من قدمه للحزب، كنا ندعم التنظيم (يقصد حزب الشعب وفروعه)، وكلما اكتشفنا شابا جزائريا لديه إمكانيات ومؤهلات نقوم بدمجه معنا.
في أي سنة تم إدماج عبان في حركة انتصار الحريات الديمقراطية (حزب الشعب الجزائري سابقا)؟
في أواخر سنة 1947 التقيت به ثلاث مرات، آخر مرة جاءني فيها إلى قسنطينة فأعجبني، وراسلت إدارة الحزب وأعلمتهم بأنني وجدت مناضلا ”هايل”، ثم تركت الأمر بين أيديهم وأكملت عملي.

هل كنتم على علم بتحضيرات عقد مؤتمر الصومام، وهل طلب منكم الحضور؟
بالطبع تم إعلامنا عن طريق رسالة، ولكنهم خطفوا المؤتمر لإعادة السيطرة على ”القوة الثورية”، بدليل أن المؤتمر لم تحضره الولاية الأولى ولم تحضر الهيئة التي كونتها، والتي تسمى ”القاعدة الشرقية”.
لم تكن ولاية (القاعدة الشرقية)، ولكن كانت تنظيما استراتيجيا متصلا بعدة ولايات، حتى الولاية الرابعة (وسط الجزائر تمتد من عين بسام شرقا إلى تنس غربا)، وكانت تعمل على إيصال الأسلحة إلى هذه الولايات (3.2.1,4)، بالتنسيق مع مصر والدول العربية… ويأتي شخص (يقصد عبان رمضان) ليس عضوا في الحركة الوطنية، وغادر السجن في 1955، دون أن يتصل بنا، ليغتنم الفرصة عندما ألقت فرنسا القبض على رابح بيطاط (أول قائد للولاية الرابعة) في نفس العام. حينها كان عبان كاتبا لبيطاط يساعده في الدعاية، وبعد إلقاء القبض على هذا الأخير، طلبت من قيادة الثورة أن أذهب إلى العاصمة لاستخلافه على رأس قيادة الولاية الرابعة (كانت تسمى المنطقة الرابعة قبل مؤتمر الصومام)، لكنهم رفضوا ذلك، بحجة ضرورة الذهاب الى المشرق، من أجل الوقوف على قضية اللوجيستيك (تزويد الثورة بالسلاح)، وفي هذا الظرف ”تسرب” عبان الى النظام، على غرار أشخاص آخرين مثله، كبن يوسف بن خدة رحمه الله، لأنهم كانوا مهمشين في ذلك الوقت، حتى وإن كانوا داخل الثورة.
عندما عارضت مؤتمر الصومام، قال العقيد عمار بن عودة إنهم حاولوا اعتقالك، هل هذا صحيح؟
لم يتم سجني بل أنا الذي كنت قادرا على إدخالهم جميعا إلى السجن، لأنني كنت مسيطرا على الجهة الشرقية للبلاد (الولاية الأولى والقاعدة الشرقية)، وكانت لي رتبة عالية في الحزب وسمعة جيدة وسط المناضلين، وهناك من لا يريد أن يعترف لي بذلك إلى اليوم. حيث كنت مكلفا بالتسيير وأمن الثورة اللوجيستيكي (جمع السلاح وإيصاله إلى المجاهدين)، وكنت أتنقل بين تونس وليبيا ومصر وفرنسا وسويسرا وعدة دول أوروبية، وبقيت على اتصال مع فدرالية جبهة التحرير في فرنسا، التي كنت أول من شكّل هيئتها. أما عمار بن عودة الذي تحدث عن محاولة اعتقالي، فلم ألقاه سوى ثلاث أو أربع مرات في حياتي فقط، وأنا الذي كنت مسؤولا عنه في 1947، ومسؤولا على كامل منطقة قسنطينة (يقصد الشرق الجزائري برمته، الذي يضم الشمال القسنطيني والأوراس)، وهو كان بمثابة مناضل صغير في عنابة، لكن هناك من ينتهج طرق ملتوية للوصول إلى المكانة التي يطمح إليها، وبن عودة كان بعيدا عني، لأنني كنت في قيادة أركان المنظمة الخاصة، وهذه المرتبة لم يصلها حتى محمد بوضياف في ذلك الوقت. فأنا كنت مسؤولا عن الثورة ولما انخرطت في الحزب، كنت أعمل من أجل الثورة، وبقيت وفيا للثورة إلى غاية الاستقلال، ولازلت إلى اليوم مع الثورة.
بن عودة يقول بأنك أعلنت نفسك رئيسا للثورة بعد اختطاف طائرة الزعماء الخمسة، في 26 أكتوبر 1956، فهل كنت فعلا القائد الأول للثورة بعد اختطاف بن بلة وبوضياف وآيت أحمد وخيضر؟
نحن حاربنا الزعامة التي كان يمثلها مصالي الحاج، فكيف أتبنى المنطق الذي طالما حاربناه في الثورة، وبعد اختطاف الطائرة بقيت حوالي ستة أو سبعة أشهر لحالي، لأني كنت الوحيد الذي يمثل الثورة، فعملت على تنظيم الأمور، ولم يكن قصدي تزعم الثورة، ولم أكن الرجل الثاني أو الثالث في الثورة، وأحمد بن بلة لم يكن رئيسا لها، فنحن لم نطح بمصالي الحاج لنضع زعيما بدلا عنه، رغم أن بعض الدول الخليجية كانت تريد منا أن ننتظم مثل التنظيمات الدولية (كل تنظيم له قائد أو زعيم)، لكننا جئنا بفكر جديد لأننا تجاوزنا فكرة الزعامة، ليكون التسيير ديمقراطيا فيعطي القوة للثورة والخير للبلاد، وتعيين المسؤولين يكون بالتشاور، فلما طلبوا مني (قادة الثورة) عدم الذهاب إلى العاصمة (لقيادة الولاية الرابعة) لم أذهب، رغم أن هذا الطلب لم يكن أمرا، ولكني عرفت أنني سأخلق مشكلا إذا دخلت العاصمة دون رضى الجماعة.
ولماذا أردت تعيين نفسك قائدا للولاية الرابعة؟
بعد إلقاء السلطات الفرنسية القبض على رابح بيطاط، طلبتُ دخول العاصمة للإشراف على تسييرها خوفا من أن يعيّنوا شخصا غير مؤهل مكان بيطاط، وقد لا يتمكن من تسيير الوضع والتحكم فيه لأنها منطقة صعبة جدا.
ومن طلب منك عدم قيادتها؟
بوضياف والعربي بن مهيدي وآخرون.
ومن مثّل الولاية الرابعة في مؤتمر الصومام؟
عن أي مؤتمر تتحدث، هذا المؤتمر الذي لم تشارك فيه الولاية الأولى (الأوراس)، ولا الولاية الخامسة (وهران)، ولا فيدرالية جبهة التحرير في فرنسا، ولا حتى الولاية الرابعة (وسط الجزائر)، التي لم تكن ممثلة بعد اعتقال بيطاط بل كانت مزورة، ومحمد بوفرة كان القائد الفعلي للولاية الرابعة، كما أن الولاية الخامسة (وهران) لم تكن ممثلة هي الأخرى، فبعد التحاق بن مهيدي إلى العاصمة، تولى بوصوف قيادتها ولكنه لم يشارك في مؤتمر الصومام، وفي تصريح للخضر بن طوبال رحمه الله، ذكر أنهم كانوا خمسة أعضاء (في مؤتمر الصومام)، وقدمت لهم وثائق قيل لهم وقعوا فوقعوا عليها، وهذا كل شيء تضمّنه المؤتمر، ولم يكن هناك أي مؤتمر، بل التزوير كان واضحا.
تقول إن محمد بوفرة كان قائدا للولاية الرابعة، ولكن المعروف أن اعمر أوعمران من الولاية الثالثة هو الذي قاد الولاية الرابعة، وليس بوفرة الذي تولى قيادتها في مرحلة تالية؟
الولاية الرابعة كما أعرفها كانت تحت قيادة سي امحمد بوفرة، حتى في وقت المنظمة الخاصة كان اسم سي امحمد بوفرة شائعا في المنطقة كمسؤول في خميس مليانة، لقد كانت هناك نزعة نحو السيطرة على الثورة لأسباب مختلفة، وكانت هنالك حرب بين الولايات وعدة خلافات مثل النزاع بين الولاية الأولى والثانية على القاعدة الشرقية.
هل فعلا انتزعت منك قيادة مؤتمر الصومام مسؤولية الجبهة على الحدود الشرقية في تونس وليبيا، وعيّن عبان والعقيد أوعمران مكانك، وهدّد عبان بإرسال أربعة آلاف مقاتل إلى الحدود التونسية لإجبار أنصارك على الخضوع لهذا القرار؟
كلها أكاذيب، خرجت من النظام بمحض إرادتي، والتقيت بجماعة أوعمران في تونس وأمام التونسيين، وبعدها، انفردت بهم وقلت لهم علينا حلّ مشاكلنا بيننا، وقمت بتسليمهم السلطة هناك مع جميع الحسابات، وذلك بعد أن جاءني أمر من الأربعة (يقصد بن بلة وبوضياف وخيضر وآيت أحمد) عبر رسالة مكتوبة بخط يد بن بلة، حملها إليّ محامٍ يدعى ”أحمد”، جاء فيها ”الجماعة هنا تطلب منك ضرورة التعامل مع الإخوة” (يقصد جماعة عبان رمضان الذين كنتُ متخاصما معهم)، لأنني كنت ضد مؤتمر الصومام، وكنت حينها متمسكا تحت ضغط المناضلين (بالمسؤولية)، ورافضا انتهاء المؤتمر بتلك الصفة، (منها أولوية الداخل على الخارج). واجتمعنا في تونس بحضور الرائد قاسي والعقيد أوعمران ومسؤولين سياسيين من المركزيين الذين كانوا في القاهرة، وطلبوا (أي جماعة أوعمران) إحداث تغيير في السلطة (قيادة الثورة)، لأنهم كانوا يرون أن مؤتمر الصومام غيّر الوضع. وكنا أمام خيارين، إما تنظيم معارضة مسلحة ضد (جماعة عبان ولجنة التنسيق والتنفيذ)، أو ترك الوضع كما هو، ويبقى الشقاق بين طرفين (جماعة مهساس وجماعة عبان)، كما حدث الشقاق بيننا (الثوريون) وبين جناح مصالي الحاج الذي حمل السلاح (يقصد الحركة الوطنية الجزائرية بقيادة بلونيس). فلما جاءتنا رسالة الأربعة، قرّرنا (جماعة مهساس) أن نبيّن لهم أن المسألة ليست مسألة سلطة، ولكن قضية نظام فقط، والهدف الرئيسي هو المحافظة على صورة الثورة، لأنه في تلك الفترة تم اختطاف طائرة الزعماء الأربعة، وكنت مضطرا لاتخاذ موقف شخص ممثل للثورة كناطق رسمي، وقدّمت تصريحا كان بمثابة نداء للشعب الجزائري من أجل مضاعفة الجهود، وجاء ذلك في مؤتمر صحفي بحضور فرحات عباس والدكتور لمين دباغين وشخصيات أخرى. ولولا أنني لم أكن أرغب في البروز كزعيم للثورة، لما اتبع الكثير من المناضلين هذه الجماعة (يقصد جماعة مؤتمر الصومام)، لأنه وقعت بيننا خلافات كثيرة.

هل يعني ذلك أنك لو لم تقم بتسليم السلطة لجماعة مؤتمر الصومام، لما اعترفت الولاية الأولى والقاعدة الشرقية بقرارات المؤتمر؟
نعم أكيد، لأن فرحات عباس لم يكن يملك أي سلطة، ولمين دباغين كانت تنقصه الخبرة رغم ذكائه، وكنا نكن له المحبة، لكن لم يكن بإمكانه التأثير على الثورة لأنه التحق بها متأخرا. والتصريح الذي أدليت به كان موجها للمجاهدين والمناضلين والشعب الجزائري، مع ضرورة تسوية الخلافات الداخلية فيما بيننا، خاصة بعدما تلقيت رسالة بن بلة، حيث قلت: ”الحمد لله، لقد تفرّغت من المسؤولية”. وفي لقاء تونس، حاول التونسيون الصلح بيننا، من ضمنهم الرئيس لحبيب بورفيبة، ولكني رفضت تدخل التونسيين، وعرضت على الجماعة الأخرى تسليمهم جميع صلاحياتي دون اللجوء إلى (الاقتتال). ولأظهر حسن نيّتي، جاؤوا بأوعمران لاستخلافي في القيادة، فقدّمته للمسؤولين التونسيين على أنه ممثل الجزائر، واصطحبته إلى ليبيا ثم مصر. أما مسألة التنظيم، فتركتها لهم (جماعة أوعمران)، وقدّمت لهم كل الحسابات. وفي تلك الليلة، قام التنظيم (التنظيم الثوري في تونس) بتلغيم سيارة أوعمران والأفراد الذين كانوا معه، واتهموني بتدبير التفجير، واتفقنا على حلّ الخلاف الذي حدث بعد مؤتمر الصومام. وطلبت مني الجماعة، بواسطة أوعمران، التنقل إلى الخارج، بمساعدة شخصين أو ثلاثة لتنظيم اللوجيستيك (جمع السلاح والأموال)، واتفقنا على هذا الأساس.
كنت في الخارج، أين بالضبط؟
كنت في إيطاليا وألمانيا، لأنه كان لدينا نظام في أوروبا، وكانوا (جماعة أوعمران) يريدون إلقاء القبض عليّ في تونس. وقبل يومين أو ثلاثة من سفري إلى أوروبا، أرسل أوعمران أمينه العام إليّ، وقال لي إنه ينتظرني في مكان معيّن. ولما ذهبت إلى المكان الذي تم الاتفاق على اللقاء به، لم أجد أحدا، بل وجدت بعض الجنود الجزائريين من الولاية الثالثة (القبائل)، وبقيت أنتظر إلى أن جاء الرائد قاسي، ثم فهمت أنهم نصبوا لي مكيدة.
وكيف عرفت أنها مكيدة؟
كان لدينا موعد في فيلا، وهي عبارة عن مكان سرّي للثوار، وسألت قاسي الذي كان مكلفا بتسليم السلاح إلى الولاية الثالثة، لأنني نظمت لجنة لتمثيل كل ولاية لتتم عملية التوزيع بالعدل، سألته عن أوعمران، فقال لي: ”سيأتي بعد قليل”. وتأكدت، من خلال كلامه، أنهم يدبّرون لي مكيدة. حينها، فكرت في التخلص من الفخ، خاصة بعد أن طلب مني الرائد قاسي تسليم سلاحي بأمر من مسؤوله، فرفضت ولاحظت أنه شعر بالإحراج اتجاهي، لأنه كان زميلي في لجنة توزيع الأسلحة. حينها، تأكدت أنني في ورطة، وكنا وقتها في شهر رمضان، فتمكنت من الهروب دون أن يتفطن لي أحد.
كيف تم ذلك؟
تظاهرت أنني لم أتفطن للمكيدة، وبقيت في الفيلا التي كانت بها غرف ونوافذ تطل على الساحة والرواق، أما المطبخ، فبه باب هو المخرج الوحيد إلى الساحة التي يحيط بها سور، فضبطت خطة سريعة بعدما درست جميع المنافذ، وفررت دون أن يراني أحد، حيث صعدت سورا حديديا يبلغ علوه نحو مترين ونصف.
إلى أين فررت؟
اتجهت إلى عائلة جزائرية ابنهم كان ضمن النظام السياسي وأعطاني سلاحا، وأعلمت زملائي بما حدث، فطلبوا مني السماح لهم بإلقاء القبض على جماعة أوعمران ونقلهم إلى الجبل وتصفيتهم، لكني اعترضت على الأمر، وأقنعتهم بضرورة احترام الاتفاق الذي بيننا، وطلبت منهم العودة إلى الجبل والاستمرار في محاربة العدو، لأنه كان لديّ خياران، إما أن أتخذ موقفا يتمثل في معاقبتهم كردّ فعل لمحاولتهم اغتيالي، أو مغادرة تونس، ففضلت الخروج من تونس إلى أوروبا، وزدت من فترة إقامتي أياما من أجل تصفية الأمور. ولم أزر جماعتي حتى لا أحرجها بوضع حراسة لحمايتي، فذهبت إلى وزير الداخلية التونسي الذي يدعى ”قيقة” وكنت أعرفه جيّدا، وكانت زوجته جزائرية، وبالضبط من معسكر، ومكثت عندهم بضعة أيام، حيث وفر لي الحماية خلال تلك المدة، لأن التونسيين كانوا قلقين من توسع دائرة التوتر بين الجزائريين، وإمكانية حدوث حرب على أرضهم، والتقيت بقية الزملاء في تونس. بعدها، قرّرت السفر إلى إيطاليا برفقة وزير الداخلية وإطارات في الثورة كانوا موالين لي، وبعدما سافرت إلى هناك، سمعت أنهم (جماعة عبان وأوعمران) تولوا القبض على إطارات الثورة الموالين لي وتصفيتهم، رغم أنني قبل سفري إلى أوروبا طلبت منهم الالتحاق بالجبال، إلا أنه تمت تصفية 16 مناضلا ممن أعرفهم، وهناك من يقول ثلاثين، لا لشيء إلا لأنهم كانوا معارضين لمؤتمر الصومام، مع أنني سلمتهم كل الوسائل التي لدينا، لكنهم كانوا خائفين، ولم تكن لديهم ثقة على قدرتهم في تسيير الأمور.
قال بن بلة إن اجتماع مجلس الثورة في مؤتمر القاهرة في 1957 كان بمثابة انقلاب على مؤتمر الصومام، كيف ذلك؟
في اجتماع المجلس الوطني للثورة، تغيّر كل شيء، حيث اتخذ المؤتمرون موقفا ضد عبان رمضان، وقرّروا إلغاء جميع قرارات مؤتمر الصومام، ووصلوا إلى درجة أنهم (القادة العسكريون على رأسهم الباءات الثلاثة)، قرّروا الحكم بالموت على عبان رمضان إذا استمر في التشويش على الثورة. وبمجرد أن تغيّر مكان المؤتمر، لم يجد عبان أحدا يؤيده، ما عدا رفاقه، أي أنه خسر كل شيء. وقرّر المؤتمرون إدخال الجماعة التي كانت في السجن (بن بلة وبوضياف وأصحابهما) في لجنة التنسيق والتنفيذ (القيادة العليا للثورة)، وكلفوا بمسؤوليات في جهاز الثورة بعد الاتفاق مع (الزعماء الخمسة)، ولكنهم لم يوسّعوا هذا الاتفاق إلى جماعتنا.
هل حضرت مؤتمر القاهرة؟
لم أحضر لا مؤتمر الصومام ولا اجتماع القاهرة الذي حضره عبان الذي أرسل لي (عبان) مع يوسفي ـ رحمه الله ـ وقال له ”قل لمهساس أن يأتي إلى القاهرة”، لكني شتمته ورفضت المشاركة في اجتماع القاهرة لأنني اعتبرت عبان أكبر خطر على الثورة وعلى الجزائر، وكان بإمكاني قتله أولا ولكني لم أفعل، رغم أنني كنت أعتبره غريبا عن الثورة.
لماذا قُتل عبان رمضان رغم أن القادة العسكريين أبقوا عليه في لجنة التنسيق والتنفيذ (القيادة الجماعية للثورة)؟
لا أعرف ما الذي كان بينهم، ولكني عندما سلمت لهم النظام (مسؤولية توصيل السلاح من الحدود المصرية ـ الليبية إلى غاية الحدود التونسية الجزائرية)، كنت متأكدا بأنهم لن يصمدوا، أنا أمامك.. أتراني؟.. في ذلك الوقت كنت متأكدا بأنهم لن يواصلوا الطريق، وسيتوقفون ويفشلون لأنهم ليسوا أهلا لتسيير الثورة التي فجرناها، لأنهم لا يفهمونها.
كيف تتهم عبان رمضان بالفشل وهو مهندس مؤتمر الصومام؟ وما دليلك؟
الدليل أنهم لجأوا إلى سياسة العنف والتصفيات الجسدية من أجل حل النزاعات الداخلية، والوصي على هذه التصفيات عبان رمضان، وقد وصلوا إلى درجة قتله، فهل هناك فشل أكبر من هذا!!؟ يقولون إن مؤتمر الصومام نجح ورئيس المؤتمر الذي قدموه على أنه زعيم الثورة قتلوه بأنفسهم، وهذا ما يؤكد فشل مؤتمر الصومام.
ورغم أنني كنت أعتقد، منذ البداية، أن مؤتمر الصومام انعقد وهو يحمل بذور الفشل قبل أن يقتل عبان، إلا أني لم أكن أتصور أنهم سيقتلونه بنفس الطريقة التي كان يقتل بها من يختلفون معه. والفشل الثاني كان في اجتماع القاهرة الذي لم يؤيده في قراراته أي من قادة الثورة، ورغم أن مؤتمر الصومام فشل منذ البداية، إلا أن عبان جرّ فشله إلى اجتماع القاهرة. فبن عودة مثلا، لم يصرح من قبل أنه كان معارضا لمؤتمر الصومام، لكنه أعلن، مؤخرا، بأنه كان يعارضه، واعترف بأن عبان ارتكب أخطاء مازلنا ندفع ثمنها إلى اليوم، لو كان بن عودة معارضا منذ البداية لمؤتمر الصومام لاتفق معنا، لأن المؤتمر لم يهدف لفتح الحوار وتحسين شؤون الثورة، بل كان مجرد عملية سياسية لأخذ السلطة والسيطرة على الثورة والتحكم في التغييرات الداخلية.
ماذا كان يقصد زيغود يوسف (قائد الشمال القسنطيني)، عندما نقل عنه قوله بعد انتهاء مؤتمر الصومام: ”الجزائر ستستقل ولكن الثورة ستضيع”؟
استشهاد زيغود يوسف في طريق عودته من مؤتمر الصومام بقي علامة استفهام، فلماذا لا نتحدث عن استشهاده أيضا، فزيغود كان لديه اتصال مع الولاية الأولى (الأوراس) لتنسيق العمل الثوري وتوسيعه إلى بقية الولايات، وكان أول من طبّق هذه الاستراتيجية بسكيكدة في 20 أوت 1955، إلا أن أعضاء جماعة (مؤتمر الصومام) عارضوا هجومات الشمال القسنطيني، لأنهم نظموا مؤتمرا ليتفاوضوا مع فرنسا، ولكي يتفاوضوا معها يجب أن يمتلكوا سلطة.
وماذا فعلتم أنتم؟
لدينا شرف كبير أننا شكلنا نظاما طويل المدى، خلق أجيالا من المناضلين والمسؤولين الذين أصبحوا قادرين على تسيير ثورة، فالإنسان البسيط لا يمكنه تسيير ولاية أو قيادة كتيبة، ولكن النظام الذي شكلناه مكّن أشخاصا بسطاء من تحمل مسؤوليات كبيرة بفعالية ونجاح، لكن المناضلين كانوا درجات، لذلك فمن غير المعقول أن شخصا مثل عبان رمضان لم يكن في النظام الثوري، ولم ينتم إلى المنظمة الخاصة، تعطى له في الحين صفة زعيم عالمي.. هذا جنون، هذا ليس لعب أطفال بل عمل خطير جدا، خطير من جهتين، خطير من ناحية الموت (خطر على حياة المجاهدين)، ومن ناحية عدم القدرة على الوصول إلى مستوى الكفاح الذي يوصلنا بدوره إلى الاستقلال. فلا يمكن لعبان، خلال عام، أن يتطور ليصبح زعيما.
في الفترة ما بين 1957 إلى 1962، ما هو الدور الذي لعبته في الثورة؟
كنت على اتصال مع النظام (نظام الثورة)، وهرّبت السلاح من إيطاليا إلى الثورة عبر البحر، حيث كنت أخفي الأسلحة في براميل خاصة بالخمر، وجماعة عبان رمضان حاولت قتلي، لكن من كُلّف بقتلي أصبح يؤيدني إلى اليوم (يقصد أرزقي باسطة).
كيف حاول قتلك؟
كنت مارا على سويسرا، والتقيته وكان يعرفني (أرزقي باسطا) وأعرفه، فقد كان مناضلا في بلكور (بلوزداد حاليا).. قال لي: ”أمروني بأن أقتلك”. فقلت له: ”… قم بواجبك”. فقال: ”لست خائفا منهم”. فقلت له: ”الحمد لله.. إذن أرسلك إلى مكان في أوروبا، لأنك إذا رجعت إلى تونس سيقتلونك”، لكنه رفض. كان مناضلا عظيما وبقي إلى اليوم على نفس الخصال ولم يتغير أو يتبدل.
وماذا كان مصير أرزقي باسطا عند عودته؟
سجن وعذب وأرسل عبان آخرين لقتلي، فمن كان يعرفني كان يثور على مثل هذا القرار، ومن لم يكن يعرفني كان يمضي فيما كلف به.
لماذا كان عبان رمضان مصرّا على قتلك؟
انتقام وخوف، أنا لم أكن معارضا للنظام (يقصد معارضة مسلحة)، ولكن كان الكثير من المجاهدين يتبعونني.
بعد الاستقلال، أي منصب توليته؟
بعد الاستقلال، وجدت نفسي ”برّا” في الشارع، اختلفت معهم (يقصد الرئيس أحمد بن بلة ومن هم في السلطة) وقررت اعتزال السياسة، فجاءني مجاهدون ومناضلون حاولوا إقناعي بالعدول عن قراري، وسألت نفسي إن كنت أنا السبب أم هناك أسباب أخرى للتعرض لي، وكيد المكائد لي من بعض المجاهدين، كنا ندافع عن المبادئ قبل الثورة، تلك المبادئ التي يجب أن يسير عليها الشعب الجزائري، وطبيعة الثورة التي فجرناها والنظام الذي كنا سنبنيه، وشكل الحكومة،.. الأمور لم تكن سهلة، لكننا انتصرنا في كل مرحلة خضناها.
– See more at: http://www.elkhabar.com/ar/autres/hiwarat/325164.html#sthash.CzqJy0iu.dpuf

Advertisements
هذا المنشور نشر في opinion. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s